تحويل القبلة دروس وعبر
العناصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
مقدمـــــــــــــــة
1- مكانة النبى صلى الله عليه وسلم
2- وسطية الامة وشهادتها على الامم
3- حب الوطن والانتماء اليه
4- وحدة الامة
5- الاستجابة لاوامر الله تعالى
الموضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوع
الحمد لله رب العالمين ،واشهد أن لا اله إلا الله ،وحده لا شريك له ،واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ،اللهم صل وسلم وبارك عليه ،وعلى اله وصحبه أجمعين
أما بعد
فإن من اهم الاحداث التى كانت فارقة فى مسيرة الامة الاسلامية وفى تمييز الصف المسلم :- تحويل القبلة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام
فلقد كان النبى صلى الله عليه وسلم واصحابة يتوجهون إلى الكعبة المشرفة فى صلاتهم طيلة اقامتهم بمكة على ما كانت عليه صلاة ابراهيم و اسماعيل – عليهما السلام – فلما هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ،بأمر من الله تعالى استقبل بيت المقدس فى صلاته ،وظل على هذه القبلة ستة عشرا او سبعة عشر شهرا ،وكان صلى الله عليه وسلم يحب ان يتوجه فى صلاته إلى المسجد الحرام لانه قبلة ابيه ابراهيم ،ويشتاق لامر الله تعالى ان يوجهه للبيت الحرام وكان من علامات رجائه في تحويل القبلة، أنه كان يقلب وجهه في السماء، طلبا لذلك، فأجابه المولى سبحانه وتعالى
قال تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) البقرة : 144
ولعل في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (الكعبة) حِكَمًا تربويةً ،ودروسا ،وعبر: منها :-
1- بيان مكانة النبى صلى الله عليه وسلم
ففى اسباب النزول للواحدى - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وكان يريد الكعبة، لانها قبلة إبراهيم، فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا، فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم، ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله، فأنزل الله تعالى قوله سبحانه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)[البقرة : 144
وهذا يدل دلالة واضحة على مكانة النبى عند ربه
فجعل سبحانة مرضاة حبيبه سببا فى تحويل القبلة وصدق تعالى حيث قال لنبيه ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى : 5]
فقد ارضاه تعالى فى الدنيا ويرضيه فى الاخرة بما اعده له ،حتى انه تعالى يرضيه فى امته كما جاء فى الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ فِي إِبْرَاهِيمَ : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ تَبِعَنِي ، فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَقَالَ عِيسَى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، قَالَ اللَّهُ : " يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ ، وَلا نَسُوؤُكَ " .
فماذا بعد الإرضاء في الدنيا والآخرة، وهل من شرف بعد هذا الشرف،
2-وسطية الامة
وصف الله أمة الإسلام بالوسطية ( أمة وسطاً ) اى لهم الافضيلة خياراً عدولاً قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
فالامة الاسلامية لها الأفضلية والخيرية والرفعة؛
الامة الاسلامية وسطٌ بين طرفي الإفراط والتفريط، لا غلو ولا تقصير، خصَّها سبحانه بأكملِ الشرائع وأقوم المناهج وأوضحِ المذاهب كما قال تعالى (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )[الحج : 78] ،و لهذه الوسطية معالمها التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وإن من معالمها التوسط بين الجفاء والغلو في باب الايمان بانبياء الله ورسله ، حيث دعت الشريعة الى الايمان بجميع انبياء الله ورسله استنادا على قول الله عز وجل ( قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
ومن بينها ايضا أنها "وسط في التحليل والتحريم"، فهناك مَن غلّوا في التحريم بشكل مطلق حتى حرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم وهناك من غلوا في الإباحة المطلقة؛ إذ جاءت الشريعة وسطية عدل أباحت الطيبات وحرمت الخبائث وكل أمر ضار، وحددت علاقة الرجل بربه وبنفسه وبالمجتمع عموماً.
ولم يقتصر امر الوسطية عند هذا الحد بل تمتاز هذه الامة بوسطيتها الشاملة
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى غلو، وإما إلى تقصير، والحق بين ذلك".
ومن الوسطية في الإسلام التيسير والتسهيل دون تفريط أو اقترف اثم قال تعالى : { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (185) سورة البقرة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين إختار إيسرهما ما لم يكن فيه إثم .
فلا يكلف الله نفسا الا وسعها قال تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَ ) البقرة 286
و الخروج عن الوسطية دخول إلى الغلو في الدين وهذا مما يرفضه الإسلام ،يقول صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاّ غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبْشِروا، واسْتَعِينوا بالغدْوَةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ منَ الدُّلْجة» رواه البخاري .
ان تلك الوسطية هى التى أهلت الامة الاسلامية ان تكون شهيدة على نفسها فى الدنيا،وان تكون شهيدة على غيرها من الامم فى الاخرة ،فشهادتها على نفسها في الدنيا، أن يشهد بعضهم على بعض، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ
وقال صلى الله عليه وسلم "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ" ( البخاري)
أما شهادة هذه الأمة في الآخرة فتكون على الأمم السابقة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّ نَعَمْ ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، فَيُقَالُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، قَالَ : فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ سورة البقرة آية 143
3- حب الوطن و الانتماء اليه
وهذا يظهر جليا فى تشوق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحويل القبلة إلى البيت الحرام فقد كان صلى الله عليه وسلم وهو متجه إلى بيت المقدس يرغب ان تكون وجهة المسلمين تجاه البيت الحرام بمكة هذا الوطن الذى احبه وترعرع بين جنباته
وانظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم يوم أنْ تآمَرت عليه رُؤوس الكفر ، خرَج مُهاجِرًا، فلمَّا وصَل أطرافَ مكة خارجًا منها، التفَتَ إلى أرضه ووطنه وقال: ""وَاللهِ إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"، وفي رِوَاية: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِليَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" رواهُ التِرْمِذِي، والبيْهَقِي، وابنُ عبدِ البَر، والبزَّار، وقالَ الشيخُ الأَلبانِي: حديثٌ صحِيح.
نعم :- حب الأوطان من الإيمان ،قاله ويقوله حكماء الأزمان،
فلاهميته اقترن حب الأوطان بحب النفس في القرآن الكريم .. قال الله – عز وجل – : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً )النساء66
يقول الشيخ الشعراوى فى هذه الآية --- وهنا يساوي الحق بين الأمر بقتل النفس والأمر بالإخراج من الديار ، فالقتل خروج الروح من الجسد ، والإخراج من الديار هو خروج الجسد من الارض التى عاش عليها ، وكلاهما مؤلم للانسان .
بل ارتبط في موضع آخر بالدين .. قال تعالى – (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )الممتحنة 8
فياليت يعى هذا الدرس من يسعون فى الارض فسادا،يخربون اوطانهم ،ويدمرون منشاته، ويعملون على تأخره ،و انهيار اقتصاده ، يروعون الامنين و يتطاولون بالسلاح على الابرياء ،فيثيرون الخوف و القلق ،وينزعون الامن والامان
4- وحدة الامة
ان من اهم ما اثمرت به وحدة القبلة درس لجميع المسلمين ان يفقهوه وهو وحدة الامة فلما كانت هذه الامة تعبد ربا واحدا و تستقبل قبلة واحدة كان حرى بها ان تكون على قلب رجل واحد وان تكون يدا واحدة
فان أعظم غايات الإسلام اجتماعَ الكلمة ،والتضامن ، وأُلفة القلوب ،و وحدة الصف فيما يرضي الله سبحانه وتعالى ؛ لأن ألفة القلوب واجتماع الكلمة فيهما تتحقق مصالح الأمة جميعاً .وتلك كانت من أهم خصائص الأمة قال الله عز وجل: (وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ )[المؤمنون:51].
فبالاتحاد تنال الأمم مجدها، وتصل إلى مبتغاها، وتعيش حياة آمنة مطمئنة،
بالاتحاد، تكون الأمة مرهوبة الجانب، مهيبة الحمى، عزيزة السلطان.
ومن هنا دعانا الله سبحانه وتعالى لأن نعتصم بكتاب الله وأن نتوحد خلف لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وحدة الأمة الإسلامية هدفٌ ومطلبٌ قرآني عظيم
قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا………..) ال عمران103
و إن هذا مما بعث الله الأنبياء به:
فقد كان الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ دعاة لوحدة الصف وجمع الكلمة،والتضامن ، قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة» تفسير ابن جرير
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ”.مسلم
ان الأمة الإسلامية إذا أرادت التقدم والرقى فمالها سبيل إلا التضامن والاتحاد
فبالاتحاد تقوى الأمم و الفرقة تضعفها
وبالاتحاد تتقدم الأمم و الفرقة تؤخرها
وبالاتحاد يزدهر الاقتصاد والفرقة تضعفه
الاتحادعمل وكسب واستثمار
الاتحاد علم وازدهار
لذلك أراد حكيم أن يعطى أولاده درساً في ليلة من ليالي الشتاء الباردة حين أحس بقرب أجله , فاجتمع أولاده حول سريره , وأراد أن يوصيهم بوصية تنفعهم قبل وفاته ، فطلب منهم أن يحضروا حزمة من الحطب , وطلب من كل واحد منهم أن يكسر الحزمة , فلم يستطع أي واحد منهم أن يكسرها , أخذ الحكيم الحزمة , وفرقها أعواداً , وأعطى كل واحد من أبنائه عوداً , وطلب منهم كسر الأعواد وهي متفرقة , فكسر كل واحد منهم عوده بسهولة . فقال الأب الذي هو الحكيم : يا أبنائي إياكم والتفرقة , كونوا كهذه الحزمة متحدين , حتى لا يقدر عدو على هزيمتكم .
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى…….. خطب ولا تتفرقوا آحـــادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ..…..وإذا افترقن تكسرت أفرادا
5- سرعة الاستجابة لاوامر الله والرسول
لقد كان ألصحابة رضوان الله عليهم مثلاً يحتذى به فى سرعة الاستجابة لاوامر الهت تعالى . اذ يظهر ذلك جليا فى سرعة استجابة الصحابة فى تحويل القبلة
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، " أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ، أَوْ قَالَ : أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ،
فما اعظم تلك الاستجابة الفورية التى لا يشوبها جدال أو تسويف ،اذ يصلون نصف الصلاة إلى الاقصى و النصف الاخر إلى الكعبة امتثالا لامر الله تعالى
اذ يقول عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ....)الانفال 24
فلئن كانت الاستجابة لله ولرسوله حياة فإن عدمها لموت، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله نوراً فإن عدمها لضلال، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله عزاً وعلواً فإن عدمها لذل وهوان
قال تعالى (( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ))[الحج:18
يقول سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ))[الأنعام:36]،
ويقول جل وعلا: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))[القصص:50].
ان سرعة الاستجابة لاوامر الله من صفات الصادقين مع ربهم ،والمستسلمين لحكم خالقهم ،ومن سكن الايمان قلوبهم
،وحين نمعن النظر نجد أن الأمر لم يكن يتوقف مع الصحابة الكرام عند حدود التصديق وفقط، ولكن كان يتبع التصديق انصياع واستجابة وعمل فورى، فكان تلقي الخبر أو الأمر أو النهي يترجم من فوره مباشرة ودون أدنى تأخر إلى واقع ملموس وفعل محسوس، وهذا هو ما ميز جيل الصحابة الطيب المبارك عمن سواهم،
فلقد رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهبٍ في يدِ رجُلٍ، فنزعَه وطرحَه وقال: «يعمِدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلُها في يدِه». فقيل للرجُّلِ بعدما ذهبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: خُذ خاتمكَ وانتفِع به. فقال: لا والله، لا آخُذُه أبدًا وقد طرحَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : " كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اخْرُجْ فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا فَهَرَقْتُهَا ، فَقَالُوا أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ قُتِلَ فُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ "
ولم تكن نساء الصحابة أقل تجاوبا أو أبطأ استجابة لاوامر النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال
تقول عائشةُ - رضي الله عنها -: "إن لنساءِ قُريشٍ لفَضلاً، وإني - والله - ما رأيتُ أفضلَ من نساءِ الأنصار، أشدَّ تصديقًا لكتاب الله، ولقد أُنزِلَت: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، فانقلَبَ رجالُهنَّ إليهنَّ يتلُون ما أنزلَ الله إليهنَّ فيها، ويتلُو الرجلُ على امرأتِه وابنتِه وأختِه وعلى كل ذي قرابَته، فما منهنَّ امرأةٌ إلا قامَت إلى مِرطِها المُرحَّل، فاعتجَرَت بها تصديقًا وإيمانًا بما أنزلَ الله في كتابِه، فأصبَحن وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُعتجِراتٍ كأنَّ على رُؤوسهنَّ الغِربان".
إننا اذا نظرنا إلى هذه المواقف العظيمة ونظرنا إلى حال الكثير منا ممن يسمعون ايات الله تتلى عليهم وسنة نبيه تترد على اذانهم بالحلال والحرام ثم يغدون إلى معصية الله تعالى لوجدنا انه شتان بين هؤلاء و هؤلاء ،شتان بين من يسارعون إلى الحرام واكل اموال الناس و يخوضون فى الاعراض، وبين من يستجيبون لله فيحلون حرامه ويحللون حلاله ،شتان بين من يسوف الطاعات ويهمل العبادات، و بين من لا يمهل نفسه مجرد التفكير فى ترك القربات
شتان بين من يسمعون النداء إلى الصلوات وهم فى عمل الدنيا أو وهم فى لهوها فيتركون قلوبهم و عقولهم للشيطان فلا يستجيبون وبين من لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة
فما احوجنا إلى هذا الدرس العظيم اذ ان الأمةُ التى تستجيب لربها و تسلم وجهها لبارئه يحسن حالها وتتغيرحياتها صلاحا واصلاحا ويتحقق لها الامن والحياة الطيبة و تسعد بالجنة فى اخرتها اما من أعرضَ وعصَى ولم يستجِب فلن يُغنِيَ عنه جمعُه ولا مالُه ولو أتَى بمِلءِ الأرض ذهبًا ومثلِه معه ليفتدِيَ به قال تعالى ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [الرعد: 18].
.
أيها المسلمون: إنَّ كثيراً من الناس اليوم اتبع شهواته،و أعرض عن دين الله، أسرفوا على أنفسهم فما أحوجهم إلى أن يتنبهوا من غفلتهم فيجيبوا داعي الله، ويستجيبوا لله ولرسوله، ويحولون قلوبهم إلى طاعة ربهم والامتثال لاوامر نبيهم يحولون طريقهم من خيوط الشيطان إلى رضا الرحمن من المعاصى والذنوب إلى الحسنات والدرجات من الاعراض عن الله إلى التوبة اليه
قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور : 31]
إننا كمسلمين في أشد الحاجة إلى أن نعود إلى طاعة ربنا فلا أمل في صلاح حال الأمة إلا باستجابتها لله ولرسوله حماية للدين وصيانة له وغيرة عليه؛ وحماية للوطن و سعيا من اجله و تحقيقا للوحدة والمحبة والالفة فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وما صلح اولها الا بالاستجابة لاوامر الله تعالى
يا رب هل مـــن توبـة تـمحو الخـــطايا والذنــوب
وتزيل هم الــقلب عنـي والكآبــة والــشحــوب
أدعوك في ليل بهيم والدمـــع مــدرارا سـكيب
أنت المؤمل والمعين وأنــت يا ربــي الـــمجيب
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ،
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ،وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا ،وَارْحَمْنَا،
اللهم اجعل مصرنا بلدا آمنا ،مطمئنا
اللهم من أرادها بخير فوفقه إلى كل خير ، ومن أرادها بسوء فأجعل كيده فى نحره
والحمد لله رب العالمين ،وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
كتبـــه
محمد حسن داود
إمام وخطيب ومدرس
دسوق – كفر الشيخ
وصف الله أمة الإسلام بالوسطية ( أمة وسطاً ) اى لهم الافضيلة خياراً عدولاً قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
فالامة الاسلامية لها الأفضلية والخيرية والرفعة؛
الامة الاسلامية وسطٌ بين طرفي الإفراط والتفريط، لا غلو ولا تقصير، خصَّها سبحانه بأكملِ الشرائع وأقوم المناهج وأوضحِ المذاهب كما قال تعالى (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )[الحج : 78] ،و لهذه الوسطية معالمها التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وإن من معالمها التوسط بين الجفاء والغلو في باب الايمان بانبياء الله ورسله ، حيث دعت الشريعة الى الايمان بجميع انبياء الله ورسله استنادا على قول الله عز وجل ( قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
ومن بينها ايضا أنها "وسط في التحليل والتحريم"، فهناك مَن غلّوا في التحريم بشكل مطلق حتى حرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم وهناك من غلوا في الإباحة المطلقة؛ إذ جاءت الشريعة وسطية عدل أباحت الطيبات وحرمت الخبائث وكل أمر ضار، وحددت علاقة الرجل بربه وبنفسه وبالمجتمع عموماً.
ولم يقتصر امر الوسطية عند هذا الحد بل تمتاز هذه الامة بوسطيتها الشاملة
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى غلو، وإما إلى تقصير، والحق بين ذلك".
ومن الوسطية في الإسلام التيسير والتسهيل دون تفريط أو اقترف اثم قال تعالى : { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (185) سورة البقرة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين إختار إيسرهما ما لم يكن فيه إثم .
فلا يكلف الله نفسا الا وسعها قال تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَ ) البقرة 286
و الخروج عن الوسطية دخول إلى الغلو في الدين وهذا مما يرفضه الإسلام ،يقول صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاّ غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبْشِروا، واسْتَعِينوا بالغدْوَةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ منَ الدُّلْجة» رواه البخاري .
ان تلك الوسطية هى التى أهلت الامة الاسلامية ان تكون شهيدة على نفسها فى الدنيا،وان تكون شهيدة على غيرها من الامم فى الاخرة ،فشهادتها على نفسها في الدنيا، أن يشهد بعضهم على بعض، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ
وقال صلى الله عليه وسلم "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ" ( البخاري)
أما شهادة هذه الأمة في الآخرة فتكون على الأمم السابقة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّ نَعَمْ ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، فَيُقَالُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، قَالَ : فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ سورة البقرة آية 143
3- حب الوطن و الانتماء اليه
وهذا يظهر جليا فى تشوق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحويل القبلة إلى البيت الحرام فقد كان صلى الله عليه وسلم وهو متجه إلى بيت المقدس يرغب ان تكون وجهة المسلمين تجاه البيت الحرام بمكة هذا الوطن الذى احبه وترعرع بين جنباته
وانظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم يوم أنْ تآمَرت عليه رُؤوس الكفر ، خرَج مُهاجِرًا، فلمَّا وصَل أطرافَ مكة خارجًا منها، التفَتَ إلى أرضه ووطنه وقال: ""وَاللهِ إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"، وفي رِوَاية: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِليَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" رواهُ التِرْمِذِي، والبيْهَقِي، وابنُ عبدِ البَر، والبزَّار، وقالَ الشيخُ الأَلبانِي: حديثٌ صحِيح.
نعم :- حب الأوطان من الإيمان ،قاله ويقوله حكماء الأزمان،
فلاهميته اقترن حب الأوطان بحب النفس في القرآن الكريم .. قال الله – عز وجل – : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً )النساء66
يقول الشيخ الشعراوى فى هذه الآية --- وهنا يساوي الحق بين الأمر بقتل النفس والأمر بالإخراج من الديار ، فالقتل خروج الروح من الجسد ، والإخراج من الديار هو خروج الجسد من الارض التى عاش عليها ، وكلاهما مؤلم للانسان .
بل ارتبط في موضع آخر بالدين .. قال تعالى – (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )الممتحنة 8
فياليت يعى هذا الدرس من يسعون فى الارض فسادا،يخربون اوطانهم ،ويدمرون منشاته، ويعملون على تأخره ،و انهيار اقتصاده ، يروعون الامنين و يتطاولون بالسلاح على الابرياء ،فيثيرون الخوف و القلق ،وينزعون الامن والامان
4- وحدة الامة
ان من اهم ما اثمرت به وحدة القبلة درس لجميع المسلمين ان يفقهوه وهو وحدة الامة فلما كانت هذه الامة تعبد ربا واحدا و تستقبل قبلة واحدة كان حرى بها ان تكون على قلب رجل واحد وان تكون يدا واحدة
فان أعظم غايات الإسلام اجتماعَ الكلمة ،والتضامن ، وأُلفة القلوب ،و وحدة الصف فيما يرضي الله سبحانه وتعالى ؛ لأن ألفة القلوب واجتماع الكلمة فيهما تتحقق مصالح الأمة جميعاً .وتلك كانت من أهم خصائص الأمة قال الله عز وجل: (وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ )[المؤمنون:51].
فبالاتحاد تنال الأمم مجدها، وتصل إلى مبتغاها، وتعيش حياة آمنة مطمئنة،
بالاتحاد، تكون الأمة مرهوبة الجانب، مهيبة الحمى، عزيزة السلطان.
ومن هنا دعانا الله سبحانه وتعالى لأن نعتصم بكتاب الله وأن نتوحد خلف لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وحدة الأمة الإسلامية هدفٌ ومطلبٌ قرآني عظيم
قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا………..) ال عمران103
و إن هذا مما بعث الله الأنبياء به:
فقد كان الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ دعاة لوحدة الصف وجمع الكلمة،والتضامن ، قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة» تفسير ابن جرير
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ”.مسلم
ان الأمة الإسلامية إذا أرادت التقدم والرقى فمالها سبيل إلا التضامن والاتحاد
فبالاتحاد تقوى الأمم و الفرقة تضعفها
وبالاتحاد تتقدم الأمم و الفرقة تؤخرها
وبالاتحاد يزدهر الاقتصاد والفرقة تضعفه
الاتحادعمل وكسب واستثمار
الاتحاد علم وازدهار
لذلك أراد حكيم أن يعطى أولاده درساً في ليلة من ليالي الشتاء الباردة حين أحس بقرب أجله , فاجتمع أولاده حول سريره , وأراد أن يوصيهم بوصية تنفعهم قبل وفاته ، فطلب منهم أن يحضروا حزمة من الحطب , وطلب من كل واحد منهم أن يكسر الحزمة , فلم يستطع أي واحد منهم أن يكسرها , أخذ الحكيم الحزمة , وفرقها أعواداً , وأعطى كل واحد من أبنائه عوداً , وطلب منهم كسر الأعواد وهي متفرقة , فكسر كل واحد منهم عوده بسهولة . فقال الأب الذي هو الحكيم : يا أبنائي إياكم والتفرقة , كونوا كهذه الحزمة متحدين , حتى لا يقدر عدو على هزيمتكم .
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى…….. خطب ولا تتفرقوا آحـــادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ..…..وإذا افترقن تكسرت أفرادا
5- سرعة الاستجابة لاوامر الله والرسول
لقد كان ألصحابة رضوان الله عليهم مثلاً يحتذى به فى سرعة الاستجابة لاوامر الهت تعالى . اذ يظهر ذلك جليا فى سرعة استجابة الصحابة فى تحويل القبلة
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، " أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ، أَوْ قَالَ : أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ،
فما اعظم تلك الاستجابة الفورية التى لا يشوبها جدال أو تسويف ،اذ يصلون نصف الصلاة إلى الاقصى و النصف الاخر إلى الكعبة امتثالا لامر الله تعالى
اذ يقول عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ....)الانفال 24
فلئن كانت الاستجابة لله ولرسوله حياة فإن عدمها لموت، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله نوراً فإن عدمها لضلال، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله عزاً وعلواً فإن عدمها لذل وهوان
قال تعالى (( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ))[الحج:18
يقول سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ))[الأنعام:36]،
ويقول جل وعلا: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))[القصص:50].
ان سرعة الاستجابة لاوامر الله من صفات الصادقين مع ربهم ،والمستسلمين لحكم خالقهم ،ومن سكن الايمان قلوبهم
،وحين نمعن النظر نجد أن الأمر لم يكن يتوقف مع الصحابة الكرام عند حدود التصديق وفقط، ولكن كان يتبع التصديق انصياع واستجابة وعمل فورى، فكان تلقي الخبر أو الأمر أو النهي يترجم من فوره مباشرة ودون أدنى تأخر إلى واقع ملموس وفعل محسوس، وهذا هو ما ميز جيل الصحابة الطيب المبارك عمن سواهم،
فلقد رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهبٍ في يدِ رجُلٍ، فنزعَه وطرحَه وقال: «يعمِدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلُها في يدِه». فقيل للرجُّلِ بعدما ذهبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: خُذ خاتمكَ وانتفِع به. فقال: لا والله، لا آخُذُه أبدًا وقد طرحَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : " كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اخْرُجْ فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا فَهَرَقْتُهَا ، فَقَالُوا أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ قُتِلَ فُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ "
ولم تكن نساء الصحابة أقل تجاوبا أو أبطأ استجابة لاوامر النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال
تقول عائشةُ - رضي الله عنها -: "إن لنساءِ قُريشٍ لفَضلاً، وإني - والله - ما رأيتُ أفضلَ من نساءِ الأنصار، أشدَّ تصديقًا لكتاب الله، ولقد أُنزِلَت: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، فانقلَبَ رجالُهنَّ إليهنَّ يتلُون ما أنزلَ الله إليهنَّ فيها، ويتلُو الرجلُ على امرأتِه وابنتِه وأختِه وعلى كل ذي قرابَته، فما منهنَّ امرأةٌ إلا قامَت إلى مِرطِها المُرحَّل، فاعتجَرَت بها تصديقًا وإيمانًا بما أنزلَ الله في كتابِه، فأصبَحن وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُعتجِراتٍ كأنَّ على رُؤوسهنَّ الغِربان".
إننا اذا نظرنا إلى هذه المواقف العظيمة ونظرنا إلى حال الكثير منا ممن يسمعون ايات الله تتلى عليهم وسنة نبيه تترد على اذانهم بالحلال والحرام ثم يغدون إلى معصية الله تعالى لوجدنا انه شتان بين هؤلاء و هؤلاء ،شتان بين من يسارعون إلى الحرام واكل اموال الناس و يخوضون فى الاعراض، وبين من يستجيبون لله فيحلون حرامه ويحللون حلاله ،شتان بين من يسوف الطاعات ويهمل العبادات، و بين من لا يمهل نفسه مجرد التفكير فى ترك القربات
شتان بين من يسمعون النداء إلى الصلوات وهم فى عمل الدنيا أو وهم فى لهوها فيتركون قلوبهم و عقولهم للشيطان فلا يستجيبون وبين من لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة
فما احوجنا إلى هذا الدرس العظيم اذ ان الأمةُ التى تستجيب لربها و تسلم وجهها لبارئه يحسن حالها وتتغيرحياتها صلاحا واصلاحا ويتحقق لها الامن والحياة الطيبة و تسعد بالجنة فى اخرتها اما من أعرضَ وعصَى ولم يستجِب فلن يُغنِيَ عنه جمعُه ولا مالُه ولو أتَى بمِلءِ الأرض ذهبًا ومثلِه معه ليفتدِيَ به قال تعالى ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [الرعد: 18].
.
أيها المسلمون: إنَّ كثيراً من الناس اليوم اتبع شهواته،و أعرض عن دين الله، أسرفوا على أنفسهم فما أحوجهم إلى أن يتنبهوا من غفلتهم فيجيبوا داعي الله، ويستجيبوا لله ولرسوله، ويحولون قلوبهم إلى طاعة ربهم والامتثال لاوامر نبيهم يحولون طريقهم من خيوط الشيطان إلى رضا الرحمن من المعاصى والذنوب إلى الحسنات والدرجات من الاعراض عن الله إلى التوبة اليه
قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور : 31]
إننا كمسلمين في أشد الحاجة إلى أن نعود إلى طاعة ربنا فلا أمل في صلاح حال الأمة إلا باستجابتها لله ولرسوله حماية للدين وصيانة له وغيرة عليه؛ وحماية للوطن و سعيا من اجله و تحقيقا للوحدة والمحبة والالفة فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وما صلح اولها الا بالاستجابة لاوامر الله تعالى
يا رب هل مـــن توبـة تـمحو الخـــطايا والذنــوب
وتزيل هم الــقلب عنـي والكآبــة والــشحــوب
أدعوك في ليل بهيم والدمـــع مــدرارا سـكيب
أنت المؤمل والمعين وأنــت يا ربــي الـــمجيب
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ،
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ،وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا ،وَارْحَمْنَا،
اللهم اجعل مصرنا بلدا آمنا ،مطمئنا
اللهم من أرادها بخير فوفقه إلى كل خير ، ومن أرادها بسوء فأجعل كيده فى نحره
والحمد لله رب العالمين ،وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
كتبـــه
محمد حسن داود
إمام وخطيب ومدرس
دسوق – كفر الشيخ

إرسال تعليق