آخر الأخبار

الأربعاء، 27 مايو 2015

تحويل القبلة دروس وعبر بقلم محمد حسن داود


تحويل القبلة دروس وعبر
العناصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
مقدمـــــــــــــــة
1- مكانة النبى صلى الله عليه وسلم
2- وسطية الامة وشهادتها على الامم
3- حب الوطن والانتماء اليه
4- وحدة الامة
5- الاستجابة لاوامر الله تعالى
الموضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوع
الحمد لله رب العالمين ،واشهد أن لا اله إلا الله ،وحده لا شريك له ،واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ،اللهم صل وسلم وبارك عليه ،وعلى اله وصحبه أجمعين
أما بعد
فإن من اهم الاحداث التى كانت فارقة فى مسيرة الامة الاسلامية وفى تمييز الصف المسلم :- تحويل القبلة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام
فلقد كان النبى صلى الله عليه وسلم واصحابة يتوجهون إلى الكعبة المشرفة فى صلاتهم طيلة اقامتهم بمكة على ما كانت عليه صلاة ابراهيم و اسماعيل – عليهما السلام – فلما هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ،بأمر من الله تعالى استقبل بيت المقدس فى صلاته ،وظل على هذه القبلة ستة عشرا او سبعة عشر شهرا ،وكان صلى الله عليه وسلم يحب ان يتوجه فى صلاته إلى المسجد الحرام لانه قبلة ابيه ابراهيم ،ويشتاق لامر الله تعالى ان يوجهه للبيت الحرام وكان من علامات رجائه في تحويل القبلة، أنه كان يقلب وجهه في السماء، طلبا لذلك، فأجابه المولى سبحانه وتعالى
قال تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) البقرة : 144
ولعل في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (الكعبة) حِكَمًا تربويةً ،ودروسا ،وعبر: منها :-
1- بيان مكانة النبى صلى الله عليه وسلم
ففى اسباب النزول للواحدى - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وكان يريد الكعبة، لانها قبلة إبراهيم، فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا، فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم، ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله، فأنزل الله تعالى قوله سبحانه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)[البقرة : 144
وهذا يدل دلالة واضحة على مكانة النبى عند ربه
فجعل سبحانة مرضاة حبيبه سببا فى تحويل القبلة وصدق تعالى حيث قال لنبيه ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى : 5]
فقد ارضاه تعالى فى الدنيا ويرضيه فى الاخرة بما اعده له ،حتى انه تعالى يرضيه فى امته كما جاء فى الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ فِي إِبْرَاهِيمَ : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ تَبِعَنِي ، فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَقَالَ عِيسَى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، قَالَ اللَّهُ : " يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ ، وَلا نَسُوؤُكَ " .
فماذا بعد الإرضاء في الدنيا والآخرة، وهل من شرف بعد هذا الشرف،

2-وسطية الامة
وصف الله أمة الإسلام بالوسطية ( أمة وسطاً ) اى لهم الافضيلة خياراً عدولاً قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
فالامة الاسلامية لها الأفضلية والخيرية والرفعة؛
الامة الاسلامية وسطٌ بين طرفي الإفراط والتفريط، لا غلو ولا تقصير، خصَّها سبحانه بأكملِ الشرائع وأقوم المناهج وأوضحِ المذاهب كما قال تعالى (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )[الحج : 78] ،و لهذه الوسطية معالمها التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وإن من معالمها التوسط بين الجفاء والغلو في باب الايمان بانبياء الله ورسله ، حيث دعت الشريعة الى الايمان بجميع انبياء الله ورسله استنادا على قول الله عز وجل ( قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
ومن بينها ايضا أنها "وسط في التحليل والتحريم"، فهناك مَن غلّوا في التحريم بشكل مطلق حتى حرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم وهناك من غلوا في الإباحة المطلقة؛ إذ جاءت الشريعة وسطية عدل أباحت الطيبات وحرمت الخبائث وكل أمر ضار، وحددت علاقة الرجل بربه وبنفسه وبالمجتمع عموماً.
ولم يقتصر امر الوسطية عند هذا الحد بل تمتاز هذه الامة بوسطيتها الشاملة
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى غلو، وإما إلى تقصير، والحق بين ذلك".
ومن الوسطية في الإسلام التيسير والتسهيل دون تفريط أو اقترف اثم قال تعالى : { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (185) سورة البقرة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين إختار إيسرهما ما لم يكن فيه إثم .
فلا يكلف الله نفسا الا وسعها قال تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَ ) البقرة 286
و الخروج عن الوسطية دخول إلى الغلو في الدين وهذا مما يرفضه الإسلام ،يقول صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاّ غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبْشِروا، واسْتَعِينوا بالغدْوَةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ منَ الدُّلْجة» رواه البخاري .
ان تلك الوسطية هى التى أهلت الامة الاسلامية ان تكون شهيدة على نفسها فى الدنيا،وان تكون شهيدة على غيرها من الامم فى الاخرة ،فشهادتها على نفسها في الدنيا، أن يشهد بعضهم على بعض، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ
وقال صلى الله عليه وسلم "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ" ( البخاري)
أما شهادة هذه الأمة في الآخرة فتكون على الأمم السابقة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّ نَعَمْ ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، فَيُقَالُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، قَالَ : فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ سورة البقرة آية 143

3- حب الوطن و الانتماء اليه
وهذا يظهر جليا فى تشوق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحويل القبلة إلى البيت الحرام فقد كان صلى الله عليه وسلم وهو متجه إلى بيت المقدس يرغب ان تكون وجهة المسلمين تجاه البيت الحرام بمكة هذا الوطن الذى احبه وترعرع بين جنباته
وانظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم يوم أنْ تآمَرت عليه رُؤوس الكفر ، خرَج مُهاجِرًا، فلمَّا وصَل أطرافَ مكة خارجًا منها، التفَتَ إلى أرضه ووطنه وقال: ""وَاللهِ إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"، وفي رِوَاية: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِليَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" رواهُ التِرْمِذِي، والبيْهَقِي، وابنُ عبدِ البَر، والبزَّار، وقالَ الشيخُ الأَلبانِي: حديثٌ صحِيح.
نعم :- حب الأوطان من الإيمان ،قاله ويقوله حكماء الأزمان،
فلاهميته اقترن حب الأوطان بحب النفس في القرآن الكريم .. قال الله – عز وجل – : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً )النساء66
يقول الشيخ الشعراوى فى هذه الآية --- وهنا يساوي الحق بين الأمر بقتل النفس والأمر بالإخراج من الديار ، فالقتل خروج الروح من الجسد ، والإخراج من الديار هو خروج الجسد من الارض التى عاش عليها ، وكلاهما مؤلم للانسان .
بل ارتبط في موضع آخر بالدين .. قال تعالى – (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )الممتحنة 8
فياليت يعى هذا الدرس من يسعون فى الارض فسادا،يخربون اوطانهم ،ويدمرون منشاته، ويعملون على تأخره ،و انهيار اقتصاده ، يروعون الامنين و يتطاولون بالسلاح على الابرياء ،فيثيرون الخوف و القلق ،وينزعون الامن والامان

4- وحدة الامة
ان من اهم ما اثمرت به وحدة القبلة درس لجميع المسلمين ان يفقهوه وهو وحدة الامة فلما كانت هذه الامة تعبد ربا واحدا و تستقبل قبلة واحدة كان حرى بها ان تكون على قلب رجل واحد وان تكون يدا واحدة
فان أعظم غايات الإسلام اجتماعَ الكلمة ،والتضامن ، وأُلفة القلوب ،و وحدة الصف فيما يرضي الله سبحانه وتعالى ؛ لأن ألفة القلوب واجتماع الكلمة فيهما تتحقق مصالح الأمة جميعاً .وتلك كانت من أهم خصائص الأمة قال الله عز وجل: (وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ )[المؤمنون:51].
فبالاتحاد تنال الأمم مجدها، وتصل إلى مبتغاها، وتعيش حياة آمنة مطمئنة،
بالاتحاد، تكون الأمة مرهوبة الجانب، مهيبة الحمى، عزيزة السلطان.
ومن هنا دعانا الله سبحانه وتعالى لأن نعتصم بكتاب الله وأن نتوحد خلف لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وحدة الأمة الإسلامية هدفٌ ومطلبٌ قرآني عظيم
قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا………..) ال عمران103
و إن هذا مما بعث الله الأنبياء به:
فقد كان الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ دعاة لوحدة الصف وجمع الكلمة،والتضامن ، قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة» تفسير ابن جرير
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ”.مسلم
ان الأمة الإسلامية إذا أرادت التقدم والرقى فمالها سبيل إلا التضامن والاتحاد
فبالاتحاد تقوى الأمم و الفرقة تضعفها
وبالاتحاد تتقدم الأمم و الفرقة تؤخرها
وبالاتحاد يزدهر الاقتصاد والفرقة تضعفه
الاتحادعمل وكسب واستثمار
الاتحاد علم وازدهار
لذلك أراد حكيم أن يعطى أولاده درساً في ليلة من ليالي الشتاء الباردة حين أحس بقرب أجله , فاجتمع أولاده حول سريره , وأراد أن يوصيهم بوصية تنفعهم قبل وفاته ، فطلب منهم أن يحضروا حزمة من الحطب , وطلب من كل واحد منهم أن يكسر الحزمة , فلم يستطع أي واحد منهم أن يكسرها , أخذ الحكيم الحزمة , وفرقها أعواداً , وأعطى كل واحد من أبنائه عوداً , وطلب منهم كسر الأعواد وهي متفرقة , فكسر كل واحد منهم عوده بسهولة . فقال الأب الذي هو الحكيم : يا أبنائي إياكم والتفرقة , كونوا كهذه الحزمة متحدين , حتى لا يقدر عدو على هزيمتكم .
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى…….. خطب ولا تتفرقوا آحـــادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ..…..وإذا افترقن تكسرت أفرادا

5- سرعة الاستجابة لاوامر الله والرسول
لقد كان ألصحابة رضوان الله عليهم مثلاً يحتذى به فى سرعة الاستجابة لاوامر الهت تعالى . اذ يظهر ذلك جليا فى سرعة استجابة الصحابة فى تحويل القبلة
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، " أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ، أَوْ قَالَ : أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ،
فما اعظم تلك الاستجابة الفورية التى لا يشوبها جدال أو تسويف ،اذ يصلون نصف الصلاة إلى الاقصى و النصف الاخر إلى الكعبة امتثالا لامر الله تعالى
اذ يقول عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ....)الانفال 24
فلئن كانت الاستجابة لله ولرسوله حياة فإن عدمها لموت، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله نوراً فإن عدمها لضلال، لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله عزاً وعلواً فإن عدمها لذل وهوان
قال تعالى (( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ))[الحج:18
يقول سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ))[الأنعام:36]،
ويقول جل وعلا: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))[القصص:50].
ان سرعة الاستجابة لاوامر الله من صفات الصادقين مع ربهم ،والمستسلمين لحكم خالقهم ،ومن سكن الايمان قلوبهم
،وحين نمعن النظر نجد أن الأمر لم يكن يتوقف مع الصحابة الكرام عند حدود التصديق وفقط، ولكن كان يتبع التصديق انصياع واستجابة وعمل فورى، فكان تلقي الخبر أو الأمر أو النهي يترجم من فوره مباشرة ودون أدنى تأخر إلى واقع ملموس وفعل محسوس، وهذا هو ما ميز جيل الصحابة الطيب المبارك عمن سواهم،
فلقد رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهبٍ في يدِ رجُلٍ، فنزعَه وطرحَه وقال: «يعمِدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلُها في يدِه». فقيل للرجُّلِ بعدما ذهبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: خُذ خاتمكَ وانتفِع به. فقال: لا والله، لا آخُذُه أبدًا وقد طرحَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : " كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اخْرُجْ فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا فَهَرَقْتُهَا ، فَقَالُوا أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ قُتِلَ فُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ "
ولم تكن نساء الصحابة أقل تجاوبا أو أبطأ استجابة لاوامر النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال
تقول عائشةُ - رضي الله عنها -: "إن لنساءِ قُريشٍ لفَضلاً، وإني - والله - ما رأيتُ أفضلَ من نساءِ الأنصار، أشدَّ تصديقًا لكتاب الله، ولقد أُنزِلَت: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، فانقلَبَ رجالُهنَّ إليهنَّ يتلُون ما أنزلَ الله إليهنَّ فيها، ويتلُو الرجلُ على امرأتِه وابنتِه وأختِه وعلى كل ذي قرابَته، فما منهنَّ امرأةٌ إلا قامَت إلى مِرطِها المُرحَّل، فاعتجَرَت بها تصديقًا وإيمانًا بما أنزلَ الله في كتابِه، فأصبَحن وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُعتجِراتٍ كأنَّ على رُؤوسهنَّ الغِربان".
إننا اذا نظرنا إلى هذه المواقف العظيمة ونظرنا إلى حال الكثير منا ممن يسمعون ايات الله تتلى عليهم وسنة نبيه تترد على اذانهم بالحلال والحرام ثم يغدون إلى معصية الله تعالى لوجدنا انه شتان بين هؤلاء و هؤلاء ،شتان بين من يسارعون إلى الحرام واكل اموال الناس و يخوضون فى الاعراض، وبين من يستجيبون لله فيحلون حرامه ويحللون حلاله ،شتان بين من يسوف الطاعات ويهمل العبادات، و بين من لا يمهل نفسه مجرد التفكير فى ترك القربات
شتان بين من يسمعون النداء إلى الصلوات وهم فى عمل الدنيا أو وهم فى لهوها فيتركون قلوبهم و عقولهم للشيطان فلا يستجيبون وبين من لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة
فما احوجنا إلى هذا الدرس العظيم اذ ان الأمةُ التى تستجيب لربها و تسلم وجهها لبارئه يحسن حالها وتتغيرحياتها صلاحا واصلاحا ويتحقق لها الامن والحياة الطيبة و تسعد بالجنة فى اخرتها اما من أعرضَ وعصَى ولم يستجِب فلن يُغنِيَ عنه جمعُه ولا مالُه ولو أتَى بمِلءِ الأرض ذهبًا ومثلِه معه ليفتدِيَ به قال تعالى ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [الرعد: 18].
.
أيها المسلمون: إنَّ كثيراً من الناس اليوم اتبع شهواته،و أعرض عن دين الله، أسرفوا على أنفسهم فما أحوجهم إلى أن يتنبهوا من غفلتهم فيجيبوا داعي الله، ويستجيبوا لله ولرسوله، ويحولون قلوبهم إلى طاعة ربهم والامتثال لاوامر نبيهم يحولون طريقهم من خيوط الشيطان إلى رضا الرحمن من المعاصى والذنوب إلى الحسنات والدرجات من الاعراض عن الله إلى التوبة اليه
قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور : 31]
إننا كمسلمين في أشد الحاجة إلى أن نعود إلى طاعة ربنا فلا أمل في صلاح حال الأمة إلا باستجابتها لله ولرسوله حماية للدين وصيانة له وغيرة عليه؛ وحماية للوطن و سعيا من اجله و تحقيقا للوحدة والمحبة والالفة فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وما صلح اولها الا بالاستجابة لاوامر الله تعالى
يا رب هل مـــن توبـة تـمحو الخـــطايا والذنــوب
وتزيل هم الــقلب عنـي والكآبــة والــشحــوب
أدعوك في ليل بهيم والدمـــع مــدرارا سـكيب
أنت المؤمل والمعين وأنــت يا ربــي الـــمجيب

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ،
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ،وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا ،وَارْحَمْنَا،
اللهم اجعل مصرنا بلدا آمنا ،مطمئنا
اللهم من أرادها بخير فوفقه إلى كل خير ، ومن أرادها بسوء فأجعل كيده فى نحره
والحمد لله رب العالمين ،وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

كتبـــه
محمد حسن داود
إمام وخطيب ومدرس
دسوق – كفر الشيخ

الاثنين، 25 مايو 2015

القطاوي : رسالة إلي وزير الأوقاف ...نشكر صيانتكم لمنابرنا ونطالب بتحسين الحالة المادية للدعاة

 

إلي السيد صاحب الفضيلة معالي وزير الأوقاف
من إمام وخطيب وأحد أبناء وزارة الأوقاف
طالب كثيرا بتحسين الأحوال المادية للدعاة
 لايشكر الله من لم يشكر الناس فواجبنا أن نقدم لكم جزيل شكرنا علي ما قدمتموه لمنابرنا من صيانة وكرامة جعلت لمنابرنا حماية من كل متطفل
حرصت علي احترام الزي الأزهري
لكن تركتنا نلهث وراء لقمة العيش
التزمنا بكافة تعليماتكم حرصنا كل الحرص علي تنفيذ اللوائح والقوانين
كنا دوما تحت أوامر العمل ونعمل لصالح العمل
نعلم جيدا ان كل ما وصل سيادتكم من معلومات عن كل مطالب بالحقوق كانت كلها معلومات تنبئ بخطر  من كل مطالب بحق  وإنني أؤكد لسيادتكم أن المجموعة التي تستغيث وتنادي بالحقوق  يعلم الله وإني اشهد الله ان المجموعة التي تصدرت المشهد في الأونة الأخير ة لم يكن لهم أي هدف ولا منهم أي خطر
وإني وهم والله شهيد علي قولي غلابة بحق ومساكين بحق
لسنا الات في يد أحد لسنا مأجورين كما وصل معاليكم
لسنا طرف في أي معركة لم نبحث عن مصلحة شخصية علي حساب زملاءنا
لأننا نعاني جميعا من داء واحد هو داء الحاجة والديون
وإنا وقد رأينا الأمر يزداد من سيئ لأسوأ
وحرصا منا علي مستقبل الدعوة والدعاة
وحرصا منا علي عدم تمكين الإعلام المسموم من الخوض في مشاكلنا وهمومنا
واننا الأن نخاطب فضيلتكم خطاب الرعية للراعي
ويعلم الله اننا مع الدولة قلبا وقالبا
وما زال مطلبنا من معاليكم هو المطلب العادل مطلبنا هو المطلب الإجتماعي
مطلبنا هو الكرامة وحفظ مكانة رجل الدعوة مطلبنا هو الحالة المادية للإمام
فكن معنا نكن لكم ومعكم ضد كل حملات التشويه الإعلامية
محمد طلعت القطاوي
إمام وخطيب بالغربية

القطاوي: معا على الطريق لتطوير الخطاب الدينى ..وليس تجديدة






رؤيـــــــــــــــــــــــــة:




تطوير وليس تجديد ..فالدين واحد واساليب التواصل تتطور


رؤية لفضيلة الشيخ /محمد قطاوى 
امام وخطيبب ومدرس بالاوقاف -صاحب مجلة صوت الدعاة

تجديد الخطاب الديني يكمن في الإهتمام بالداعية الذي هو الصلة بين رسالة السماء وبين الناس
تجديد الخطاب الديني
يكمن في تطوير الخطيب الديني
بتجهيزه تجهيزا صحيحا لتلك المهمة الصعبة
بتدريبه علي كافة الوسائل الحديثة ليواكب بدعوته عصر الأنفتاح والتطوير التكنولوجي
بتدريبه علي طريقة العرض الجديدة للخطاب الديني
الأن الخطيب يخاطب أجيال التقدم الحضاري والتكنولوجي
فلابد من تدريبه علي طرق عرض جديدة يخاطب بها أجيال التكنولوجيا
أيضا في ظل تدهور الأحوال وتغير التاريخ وتداخل الاحداث السياسية في الدينية والدينية في الإقتصادية
يحتاج الخطيب الديني إلي دراسة جديده
يستطيع من خلالها أن يكون الإمام الموسوعي
الذي يستطيع ان يرد علي تساؤلات عدة لم تكن موجودة في عهد الصحابة والتابعين
الزمن تغير
والأحداث تغيرت
فلابد من الة العمل أيضا أن تتغير ببرمجة جديدة
وإمام المنبر هو آلة الدعوة
فلابد من برمجة جديدة
أيضا لابد من الإهتمام بالداعية في الناحية المادية والإجتماعية
تعليم . تدريب . تجهيز . تطوير . اهتمام
= خطاب ديني جديد


الخميس، 21 مايو 2015

خطورة الإدمان والمخدرات على الفرد والمجتمع بقلم الشيخ محمد حسن داود



خطبــــــــة الجمعـــــــــــــــة
خطورة الإدمان والمخدرات على الفرد والمجتمع
العناصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
1- نعمة العقل و وجوب المحافظة عليهـــــــــــا
2- تحريم كل ما كان مسكرا و مذهبا للعقـــــــــل
3- الآثار السيئة للمخدرات على الفرد والمجتمع
4- أسباب إنتشـــــار الخمور والمخــــــدرات
5- وسائل العلاج للقضـــاء على الإدمان
6- دعـوة الى نبذ الخمور والمخدرات
الموضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوع

الحمد لله رب العالمين ،واشهد أن لا اله إلا الله ،وحده لا شريك له ،واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ،اللهم صل وسلم وبارك عليه ،وعلى اله وصحبه أجمعين
أما بعد
إن العقل نعمة من أعظم النعم التي اختص الله عز وجل بها الإنسان ، وميزه بها عن سائر المخلوقات ، فالعقل نور، به يفكر الإنسان ويخترع، به يدرك حقائق الوجود ، ويميز بين الحق والباطل، والحلال والحرام ، وبه يهتدي إلى تحقيق المصالح واتقاء المضار ، وبه يتواصل الإنسان مع بني جنسه ،ويتكلم ،ويعمل ، وينتج ، فهو عنوان الرشاد وعمود السعادة ،فإذا تم العقل تم معه كل شيء وإذا ذهب العقل ذهب معه كل شيء ،
جعله الشرع مناط التكليف، وعليه فالمجنون ليس مكلفا ،
عَنْ عَلِيِّ بن أبي طالب رضي الله عنه : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ” البخاري
يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "العقلُ هو أكبرُ المعاني، وأعظمُ الحواسِّ نفعًا، وبه يُدخَلُ في التَّكليف، وهو شرطٌ في صحَّة التصرُّفات، وأداء العبادات".
والعقل أحد الضرورات الخمس التي أوجب الشارع حفظها؛ يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: ” ومجموع الضرورات خمس هي: حفظ الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال، والعقل،
ان العقل ليس ملكًا للإنسان على وجه الحقيقة، وإنما هو وديعة عنده، لأنه ملك لخالقه سبحانه وتعالى ،وليس من حق الإنسان إتلاف ما استودعه الله إلا إذا أذِن له الله تعالى بذلك ،
ولقد نهى الإسلام عن الإخلال به، وحرم كل ما يضره أو يذهبه ، و من ذلك أن الإسلام حرم كل مسكر كالخمر والمخدرات و ما كان فيه علتهما
عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ ، قَالَ : " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا ، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هَذَا الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا ، قَالَ : هَلْ يُسْكِرُ ؟ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاجْتَنِبُوهُ
............. "سنن ابى داود
فالخمر والمخدرات وما كان فى معناهما حرام قليله وكثيره ،حتى وان لم يذهب العقل إلا بالكثير منه فقليله حرام
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" سنن ابى داود
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ " الترمزى
وفي رواية:" الْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ".الترمذي.
وعليه فكل ما كان مسكرا فهو حرام مهما تغيرت الاسماء ومهما تغير شكله ولونه ما بقيت فيه العلة وهى الإسكار
عن أَبى مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا "سنن ابى داود
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ ” صحيح الجامع
أيها المؤمنون : إن آفات الخمور وأضرار المخدرات على الأفراد والشعوب والجماعات لا حد لها ولا عد ؛
فهي مفتاح كل شر كما قال نبينا - ((اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ)) رواه الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
.وكما قال عثمان -رضي الله عنه- : ((أُمُّ الْخَبَائِثِ))
بمعنى أن متعاطي الخمور والمخدرات يجلب على نفسه بتعاطيها كل آفةٍ وكل شر ، ويجلب على مجتمعه وعلى أهله وأبنائه وأسرته الشرور المتنوعات والآفات الكثيرات
و لشدة حرمتها و لجرم صنعها
قُرنت الخمر بالأنصاب - وهي الأصنام التي كان يعبدها أهل الجاهلية - بل قُرنت بأعمال الجاهلية وشنائعهم وعظائم أعمالهم ؛
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 90]
و لعنها الله تعالى ولعن كل من شارك فيها
عن ابْنَ عُمَرَ، رضى الله عنهما قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ"سنن ابى داود- الالبانى صحيح
ونفى الايمان عن المؤمن حين يشربها
عن أَبى هُرَيْرَةَ،رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللله عليه وسلم : " لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ شَارِبُ الْخَمْرِ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ،.... "صحيح الجامع
ولم يقبل من شاربها صلاة ما داوم على شربها ولم يتب إلى الله تعالى منها وان مات عليها دخل النار وكان شرابه عصارة أهل النار
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،رضى الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَدَغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: " عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ " صحيح الجامع الصغير للالبانى
عَنْ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : ” عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ” [ أخرجه مسلم]

أيها المسلمون
إن الخمر و المخدرات جميعها على اختلاف الاشكال والاسماء داء خطير من صنوف الخبائث، فما انتشرت في مجتمع من المجتمعات إلا و أكلت الأخضر واليابس من شبابه، فدمرت عقولهم، وهدمت بنيانهم ، وقطعت أرحامهم ،وأفسدت أخلاقهم ،
فهي رجس من عمل الشيطان،، توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، تهون ارتكاب القبائح والآثام ،وتخرج من القلب تعظيم المحارم ،وتهوى بالإنسان إلى المنكرات والفواحش
فهذا عثمان بن عفان خطب الناس فقال : اجتنبوا الخمر ، فإنها أم الخبائث ، إن رجلاً ممن كان قبلكم ، كان يتعبد ويعتزل النساء ، فعلقته امرأة غاوية ، فأرسلت إليه أني أريد أن أشهدك بشهادة ، فانطلق مع جاريتها ، فجعل كلما دخل باباً أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة ، وعندها باطية فيها خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك لشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي ، أو لتشرب من هذا الخمر كأساً ، أو لتقتل هذا الغلام ، وإلا صحت بك وفضحتك ، فلما أن رأى أن ليس بد من بعض ما قالت ، قال : اسقيني من هذا الخمر كأساً ـ ففي ظنه أن الخمر أهونها مصيبة ، وأقلها ضرراً ـ فسقته ، فقال : زيديني كأساً ، فشرب فسكر ، فقتل الغلام ، ووقع على المرأة ، فاجتنبوا الخمر ، فوالله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في قلب رجل إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه ”
فالخمر تهوى شاربها إلى ارتكاب الكبائر، واقتراف الجرائم ويقع في الآثام ويخبط في الحرام، ويترك ما يجب عليه، من الأحكام فيفعل المنكر، تجعل شاربها يهذى لا يفرق بين حلال و حرام ،ولا بين أخت وزوجة ،ولا بين قبيح و مليح ،إذ يبكي بلا سبب ويضحك من غير عجب فتهزأ به الصبيان ويسخر به السفهاء ويمقته العقلاء ويبغضه أهله وجيرانه ورحم الله عدي بن حاتم، إذ قيل له: مالك لا تشرب الخمر؟ فقال: ما أحب أن أصبح حكيم قومي وأمسي سفيههم) أ.هـ.
فكم أهاجت من حرب وأفقرت من غني وذلت من عزيز ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة
سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه : هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ قال : أعوذ بالله ! فقيل له : ولِمَ ؟ قال : كنت أصون عرضي ، وأحفظ مروءتي ، فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته .
وذلك قيس بن عاصم المتقري فقد شربها يوما فغمز ابنته وشتم والديه وضرب امرأته فلما أفاق أخبر بما صنع وأنشد قائلا:
رأيت الخمر فاسدة و فيها ** خصال تفسد الرجل الحليم
فإن الخمر تفضح شاربيها ** و تجنيهم بها الأمر العظيم
فلا و الله أشربها صحيحا ** و لا أشفي بهـا أبدا سقيم
غير أن لها أضرارها النفسية، فيما تقضي إليه من الاضطراب النفسي والغضب والبلادة وقلة المبالاة وفقد السيطرة والسلوك.
ولها أضرارها الأسرية، في تمزيق الروابط العائلية وتدمير الأسرة وما تورثه في النسل من آثار وخيمة العاقبة.
ولها أضرارها الاجتماعية في تدمير المجتمع وتبديد طاقاته وإفساد علاقاته الاجتماعية وشيوع الجريمة وانتشار السوء.
ولها أضرارها العقلية، في الإصابة بالأمراض العصبية والتأثير على المخ وفقد الوعي والبلاهة بل والموت .
ولها أضرارها المالية، في إتلاف مال الشارب والقعود به عن الكسب وإهدار الثروة العامة.
يقول الحسن البصري رحمه الله: لو كان العقل يُشترى لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب كل العجب فيمن يشتري بماله ما يفسده.
ولها أضرارها الخلقية فيما يتبعها من جرائم العرض والشرف وفساد الأخلاق
ولها أضرارها الامنية إذ تنتشر الجرائم وتكثر الاعتداءات
و لك أن تعلم أن رأس وأساس وجود تلك المنكرات هو : ضعف الإيمان وانعدام الخوف من الله سبحانه، فما وقع من وقع في دوامة الضياع هذه إلا يوم أن تعدى حدود الله، واعتدي على محارم الله.
ومن أسباب انتشارها أيضا :-إهمال الوالدين وسوء التربية، ومن أراد الدليل على إهمال بعض الآباء فلينظر إلى الشباب وهم في الشوارع وعلى الأرصفة إلى ساعات متأخرة من الليل، يذهبون ويجيئون
، فأين الآباء والأمهات عنهم؟! إذ أن الآباء والأمهات لهم دور كبير جدا فى التنشأة من الصغر ومراقبتهم فى بداية شبابهم وغرس الأخلاق والفضائل فى قلوبهم
ولا ننسى ابدآ أن رفقاء السوء لهم دور كبير فى انتشار مثل هذه الآفات
. نعم، عشرات التائبين والنادمين يصدرون قصصهم:وفيها :- وتعرفت على قرناء السوء، وأغراني أصدقاء السوء، وقال لي أصدقاء السوء: جرب... وهلم جرا.

إن من طرق علاج هذه الظاهرة الإجرامية

حسن التنشأة الأسرية: وذلك بتربية النشء على القيم والمبادئ الإسلامية لأن الأبوين هما المسئولان عنهم، وبين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” ( متفق عليه) وقال أيضاً : ” إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ ، أحفظَ أم ضيَّعَ ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه “( السلسلة الصحيحة: الألباني) –
وأيضا تخير الصحبة الصالحة: لأن الصاحب ساحب والقرين بالمقارن يقتدي. وقد حث الإسلام على صحبة الصالحين والأخيار، وحذر من صحبة الأشرار، وفي الحديث الصحيح: ” لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طعامك إلا تقي “.صحيح الترغيب والترهيب – الألباني
بل إن من أهم الطرق في القضاء على هذه الآفة القاتلة هو تضافر الجهود و قيام الدول والحكومات بكل ما من شأنه ان يجنب شبابنا مخاطر الإدمان والمخدرات
والوقوف فى وجه تجار المخدرات ومروجى المسكرات و مساعدة الحكومات فى القضاء على هذه الظاهرة
وان تشدد العقوبة الرادعة على مثل هؤلاء
فقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم، فقيل له: إن فيهم صائماً، فقال: ابدؤوا به ثم قال:أما سمعت قوله تعالى:
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [النساء : 140
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ” أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، قَالَ : اضْرِبُوهُ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ........" البخارى
إن على أمة الإسلام دولا وشعوبا أن ينتبهوا لذلك النذير وان يتكاتفوا فى صد هذه الظاهرة البشعة حفاظا على الأبناء والشباب و حفاظا على الأمن والاستقرار وحفاظا على الانتاج والاقتصاد والاستثمار و حفاظا على مستقبل الأمم وتقدمها
الآباء والأمهات:-
إن أبنائكم أمانة فى أيديكم ستسألون عنهم يوم القيامة
الشباب :-
ان عقولكم وديعة لا يجوز لكم ان تعتدوا عليها
إن أجسادكم وديعة عندكم لا يجوز لكم ان تعتدوا عليها
قال تعالى (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )[البقرة : 195
واحذروا ثم احذروا من الشعارات الكاذبة التى يرددها خبثاء النفوس الذين يروجون مثل هذه المخدرات بوعد المتعة واللذة والنشاط والحيوية فما منها إلا الوقوع فى كل محرم و فعل كل منكر و ضياع الصحة والمال
فإلى متى سنظل نسمع بشاب مات بسبب تعاطيه جرعة زائدة من المخدرات.. إلى متى سنظل نسمع بشاب قضى في حادث سيارة لأنه كان يقود السيارة وهو سكران .. إلى متى سيسكت الشاب عن صاحبه المتعاطي للمخدرات والخمر ولا يحذره ولا ينصحه، إلى متى ستبقى هذه الحبوب تنتشر بين الشباب. لا شك أن للأهل دورًا كبيرا وللمدرسة دورًا وللجامعة دورًا وأنتم أيها الشباب لكم دوركم بالامتناع عن هذه المهلكات وسرعة الامتثال و الاستجابة إلى أمر الله فى ترك هذه المهلكات فانظروا كيف كانت إجابة الصحابة فى الانتهاء عن هذا الجرم
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : " كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اخْرُجْ فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا فَهَرَقْتُهَا ، فَقَالُوا أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ قُتِلَ فُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ " ، قَالَ : فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )سورة المائدة آية 93 .
يا من تشرب الخمور والمخدرات اعلم أن الخمر والمخدرات وكل ما كان مسكرا مائعا أو جامدا حرام له عواقبه وستسأل يوم القيامة عن مالك الذي اشتريت به هذا المنكر ،وعن عقلك الذي ضيعته بهذا المنكر، و عن جسدك الذي أمرضته بهذا المنكر ،و عن شبابك الذى فقدته بهذا المنكر ،وعن خلقك الذي فسد بهذا المنكر، وعن الفرائض التى ضيعتها بهذا المنكر ،فهى جماع الإثم واصل كل سوء وسبب العذاب و الخسران
عَنْ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : ” عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ” [ أخرجه مسلم]
فلو لم يكن فيها الا هذا الوعيد لكفى به زاجرا عن الاقتراب من المسكرات
فهل انتم منتهون
قال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ )[المائدة : 91]
=======

=======
يا رب هل مـــن توبـة تـمحو الخـــطايا والذنــوب
وتزيل هم الــقلب عنـي والكآبــة والــشحــوب
أدعوك في ليل بهيم والدمـــع مــدرارا سـكيب
أنت المؤمل والمعين وأنــت يا ربــي الـــمجيب

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ،
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ،رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ،وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا ،وَارْحَمْنَا،
اللهم اجعل مصرنا بلدا آمنا ،مطمئنا
اللهم من أرادها بخير فوفقه إلى كل خير ، ومن أرادها بسوء فأجعل كيده فى نحره
والحمد لله رب العالمين ،وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

كتبـــه
محمد حسن داود
إمام وخطيب ومدرس
دسوق – كفر الشيخ

المخدرات وبال عظيم للشيخ أحمد طلال رمضان




المخدرات وبال عظيم للشيخ أحمد طلال رمضان
العناصر:
(1) الخــــــــمر قبـــــــل الإســــلام .
(2) التدرج التشريعى فى تحريم الخمر .
(3) ضحـــــايا الخمـــــور والمخـــدرات .
(4) رســـالة إلى شــباب الأمـــــــــة .

الحمد لله الذي أمر الإنسان بفعل الخيرات، وعمل الطاعات، ونهاه عن ارتكاب المعاصي واقتراف الموبقات واجتراح السيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفرح بتوبة التائبين وعودة العصاة والمذنبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المستغفرين، ورائد التائبين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن دعا بدعوته، واستن بسنته، وسلك طريقه إلى يوم الدين.
ثم أما بعد :
أيها الإخوة، بمشيئة الله تعالى سوف يكون حديثنا فى هذا اليوم المبارك عن ظاهرة خطيرة، سمُّوها ظاهرةً أمنية أو اجتماعية أو صحية أو ما تريدون، لا يهمنا، كم هي مشتركة في عدة ظواهر ومظاهر، ولكن الذي نعرفه جميعاً أنها ظاهرة كبرى، أتدرون ما هي؟
إنها يا قوم: ظاهرة انتشار المسكرات والمخدرات.. تهريباً وترويجاً، وأخيراً الهدف من كل ذلك هو التعاطي والاستعمال.
إذاً، حديثنا اليوم عن داءٍ خطير من صنوف الخبائث، بل أم الخبائث، إنها الخمر والمسكرات والمخدرات والتي ما انتشرت في مجتمع من المجتمعات فسكتوا عن إنكارها على مر التاريخ إلا وكُتب لذلك المجتمع الانهيار والنهاية.
-
-
العنصر الأول : الخمر قبل الاسلام

كان المشركون في الجاهلية يعاقرون الخمر ويشربونها شرب المُغْرَمِ بها حتى الموت، لأنها تنسيهم الواقع المرير وتجعلهم في غفلة دائمة.
فهذا أبو محجن الثقفي رضي الله عنه، كان يشرب الخمر في الجاهلية، وكان يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقُها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
وقد كان من المشركين من يمتنع عن شربها لما ظهر له من أبين الأدلة وأوضحها أنه ضارة خبيثة، فهذا قيس بن عاصم المنقري رضي الله عنه، كان شراباً للخمر مولعاً بها، ثم حرمها على نفسه وامتنع عن شربها، والسبب في ذلك أنه سكر ذات يوم في الجاهلية، فغمز عكنة ابنته وهو سكران، وشتم والديه وضرب امرأته وأعطى الخمار مالاً كثيراً، فلما أفاق وأخبروه بما فعل حرمها على نفسه وقال:
رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحاً ولا أشفي بها سقيماً
ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعو لها أبداً نديماً
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيماً
ولا أنسى خبر ذلك الخليفة الذي جلس يوماً مع نديمه .. يضاحكه ويمازحه .. فلعب الشيطان برؤوسهما فشربا خمراً .. فلما غابت العقول .. وسيطرت أم الخبائث .. وصار الواحد منهما أضل من الحمار ..
التفت الخليفة إلى حاجبه وأشار له إلى النديم وقال : اقتلوه ..
وكان الخليفة إذا أمر أمراً لم يراجَع فيه ..
فانطلق الحاجب إلى النديم وتله برجليه .. وهو يصرخ .. ويستغيث بالخليفة .. والخليفة يضحك ويردد : اقتلوه .. اقتلوه ..
فقتلوه .. وألقوه في بئر مهجورة ..
فلما أصبح الخليفة .. اشتاق إلى من يؤانسه .. فقال : ادعوا لي نديمي فلان ..
قالوا : قتلناه !! قال : قتلتموه ؟!! من قتله ؟! ولماذا ؟ ومن أمركم ؟! وجعل يدافع عبراته ..
فقالوا : أنت أمرتنا البارحة .. وأخبروه بالقصة ..
فسكت .. وخفض رأسه متندماً ثم قال : رب كلمة قالت لصاحبها دعني ..
كان هذا حالهم حينما يفيقون وتعود إليهم عقولهم ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان !
فعقلاء العالم يمتنعون عن شربها كما فعل قيس بن عاصم المِنْقَري رضي الله عنه، وكيف لا يمتنع عنها العقلاء وهي تجعل منهم أضحوكة للناس؟ روى القرطبي في تفسيره أن رجلاً شرب الخمر فسكر فبال، فجعل يأخذ بوله ويغسل به وجهه ويقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، ويقول الحسن البصري رحمه الله: لو كان العقل يُشترى لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب كل العجب فيمن يشتري بماله ما يفسده.
هذا العقل الثمين يوجد في بني الإنسان من لا يعتني بأمره، ولا يحيطه بسياج الحفظ والحماية، بل هناك من يضعه تحت قدميه ويتبع شهوته، وتعمى بصيرته، كل هذا يبدو ظاهراً جلياً في مثل كأسة خمر، أو جرعة مخدر، أو استنشاق مسكر،
فلما جاء الإسلام
كرم الإنسان على جميع المخلوقات بعقله يقول ربنا : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.
يقول الإمام ابن كثير: "جعله يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به.."
بل وجعل العقل هو واحد من الضروريات الخمسة التي يجب المحافظة عليها. وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب وقيل العرض فإذا ضاع العقل ضاع الدين، وضاع النسل والمال، وضاعت النفس وضاع كل شيء.
وإذا ما فقد الإنسان عقله لم يفرَّق بينه وبين سائر الحيوانات العجماوات، بل لربما فاقه الحيوان الأعجم بعلة الاندفاع، ومن فقد عقله لا نفع فيه ولا ينتفع به، بل هو عالة على أهله ومجتمعه.
فلا عجب إذاً أن يحرم الإسلام الخمور والمسكرات حفاظاً على عقول البشر
-
-
العنصر الثانى : التدرج التشريعي في تحريم الخمر

لقد انتهج الإسلام خطة حكيمة في معالجة الأمراض الاجتماعية عندما سلك بالناس التدرج في تشريع الأحكام ، وهو لطف من الله سبحانه وتعالى وكرامة لعباده؛ حيث لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجبها عليهم مرة بعد مرة ، فقد فرض سبحانه الصلاة على العباد قبيل الهجرة بسنة ونصف تقريبا ، ثم فرض عليهم الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة ، وكذلك الخمر سلك الشارع في تحريمها مسلكا فقد كان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهو لهم حلال مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بمكة ، فلما هاجر إلى المدينة بدأ الحق سبحانه بالتنفير منها عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيها نفع ضئيل وشيء فيه ضرر جسيم . وقد أدرك بعض الصحابة شيئا من ضررها ، فكانوا يتوقعون تحريمها
فقلد روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أعار عليا بعيرين ليأتي عليهما بأذخر (نبات عشبى يشبه رائحة الورد ) يستعين به على زفاف
فاطمة رضي الله عنها فأناخهما على عند باب حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان حمزة يشرب الخمر فأخذت بعقله فخرج حمزة فوجد البعيرين على بابه فنحرهما ودخل بأكبادهما فجاء علي رضي االله عنه فوجد البعيرين قد نحرهما حمزة فمضى على رضى الله عنه إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فشكا حمزة إليه فجاء معه صلوات الله عليه فلما رأى حمزة النبي {صلى الله عليه وسلم}

وكان حمزة رضي الله عنه قد أخذت فيه الخمر قال ألستم عبيدي فتأخر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال لست بعبد لأبيك فقال عمر رضي الله عنه اللهم إن الخمر مفسدة للعقل مذهبة للمال فأنزل اللهم لنا في الخمر بيانا فأنزل الله سبحانه { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } البقرة 219
ومرت الأيام وما زال البعض يشربها وفى يوم من الأيام قام بعض الصحابة للصلاة وتقدم رجل منهم للصلاة إماما بهم
يقال له أبو بكر بن أبي جعونة وكان حليف الأنصار وكان أكثرهم قرآنا فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون فمن أجل سكره خلط فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وخلط أول السورة بخاتمتها حتى ختم السورة على ذلك فبلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فشق عليه ذلك
فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } النساء 43 فقال بعضهم: والله لا نشرب شيئا يمنعنا من الصلاة فامتنعوا عنها وبقي البعض يشربها فكانوا يشربونها بعد صلاة العشاء الآخرة ثم ينامون ثم يقومون عند صلاة الفجر فيصحون منها ثم يشربونها بعد صلاة الصبح فيصحون منها عند صلاة الظهر ثم لا يشربون بعد ذلك حتى يصلون العشاء الآخرة, وكان منادي رسول الله ينادي وقت الصلاة: ألا لا يقربن الصلاة سكران.
وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الحال زمنا طويلا قوي فيه الدين ورسخ اليقين وكثرت الوقائع التي ظهر بها إثم الخمر ، منها ما روي أن عتبان بن مالك صنع طعاما ودعا إليه رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير ، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ، فافتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار ، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار ، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس سعد فشجه فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري ، فقال عمر: اللهم أنزل علينا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزل قوله سبحانه { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } إلى قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فقال عمر وغيره من الصحابة: انتهينا ربنا انتهينا ربنا
وأمر النبيّ مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألاَ إنّ الخمر قد حُرّمت؛ فأُريقت الخمر حتى جرت في سِكك المدينة. فى الحال
قال أنس: «كنتُ ساقِيَ القومِ في منزلِ أبي طلحةَ، فنزل تحريم الخمر، فأمرَ مُنادياً فنادَى، فقال أبو طلحةَ: اخرُج فانظرْ ما هذا الصوتُ، قال: فخرجتُ فقلتُ: هذا مُنادٍ ينادِي: ألا إن الخمرَ قد حُرِّمَت. فقال: لي: اذهَبْ فأهرِقْها. ووالله ما راجعوا فيها قال: فجَرَتْ في سِكَكِ المدينة.
فقال بعض القوم: قُتلَ قومٌ وهي في بُطونهم، قال: فأنزَل اللَّهُ ليسَ على الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ جُناحٌ فيما طَعِموا.
ثم قوله تعالى: وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، أي احذروا ثم احذروا من مخالفة الأمر.
هكذا كان تحريمها, وهكذا كانت استجابتهم رضي الله عنهم. ولم يقل أحدهم إني مدمن لا أستطيع تركها ولم يقل أحدهم اتركها بالتدريج, بل كانت استجابة فورية: انتهينا انتهينا,
ما قالوا حتى ننظر ونسأل رسول الله كلا، بل قالوا: يا أنس اكف ما بقي في إنائك, قال: فوالله ما عادوا فيها،
قال: فجاء رجل إلى النبي فقال: إنه كان عندي مال يتيم فاشتريت به خمراً أفتأذن لي أن أبيعه فأرد على اليتيم ماله؟ فلم يأذن له النبي في ذلك .
ولم يتوقف الأمر على ذلك بل نهى عن كل المسكرات
فلقد روى أَحَمَد في مسنده وَأَبُو دَاود في سننه بسندٍ صحيح عن أم سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : نهى رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم عن كُلّ مسكر ومفتر ولم يكتف الشارع بتحريم شرب قليلها وكثيرها ، بل حرم الاتجار بها ولو مَعَ غير المسلمين فلا يحل لمسلم يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر أن يعمل مستوردًا أو مصدَّرًا أو صَاحِب محل لبيع الخمر أو عاملاً في هَذَا المحل كيف وقَدْ لعن النَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له .
بل وحرم إهداؤها فقَدْ روي عن جابر بن عَبْد اللهِ قال : كَانَ رجل يحمل الخمر من خيبر فيبيعها للمسلمين فى الْمَدِينَة فلقيه رجل من المسلمين فَقَالَ : يا فلان إن الخمر قَدْ حرمت فوضعها حيث انتهى على تل وسجى عَلَيْهَا بأكسية ثُمَّ أتى النَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ بلغني أن الخمر قَدْ حرمت قال : « أجل » . قال : لي أن أردها على من ابتعتها منه ؟ قال : « لا يصح ردها » . قال : لي أن أهديها إلى من يكافيني منها ؟ قال : « لا » قال : فإن فيها مالاً ليتامى في حجري . قال : « إذا أتانَا مال البحرين فانَا نعوض أيتامك من مالهم » . ثُمَّ نادى بالْمَدِينَة فَقَالَ رجل : يَا رَسُولَ اللهِ الأوعية ينتفع بها ؟ قال : « فحلوا أوكيتها » . فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي .
وفي يوم أقبل عامر بن ربيعة .. الصحابي الجليل ..
من سفر .. فأهدى لرسول الله ( راوية خمر .. جرة كاملة مملوءة خمراً ..
نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الخمر مستغرباً .. والتفت إلى عامر بن ربيعة .. وقال : أما علمت أنها قد حرمت ..؟
قال : حرمت ؟! لا .. ما علمت يا رسول الله ..
قال : فإنها قد حرمت ..
فحملها عامر .. فأسرَّ إليه بعضهم بأن يبيعها ..
فسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا .. إن الله إذا حرم شيئاً .. حرم ثمنه ..
فأخذها - رضي الله عنه - فاهراقها على التراب ..

ومرت الأيام وأكد رسول الله على تحريمها وأوجب علينا مقاطعة مجالس الخمر وشاربيها فعن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال : سمعت رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ : « من كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فلا يقعد على مائدة تدار عَلَيْهَا الخمر » . رواه أَحَمَد.
فما بالكم بمن يشربها ، فالإيمان قد رفع عنه وروي عن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أنه كَانَ يجلد شارَبِّي الخمر ، ومن شهد مجلسهم ، وإن لم يشرب ، ورووا عَنْهُ أنه رفع إليه قوم شربوا الخمر فأمر بجلدهم فقيل إن فيهم فلانَا ، وقَدْ كَانَ صائمًا ، فَقَالَ : به ابدؤوا أما سمعتم قول الله تَعَالَى : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } .
أفبعد هذا كله يخرج علينا من يخرج يجادل الناس في أمر الخمور والمخدرات بل وكل المسكرات ،فيزعمون أن الله تعالى لم يحرمها لأنه سبحانه لم يذكر كلمة التحريم بل قال :اجتنبوه.وهؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى: ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق
يذكرنى هذا الأمر بنموذج مشرف من قضاة المسلمين في ذكائهم وعدلهم وجرأتهم، القاضي إياس رحمه الله تعالى، الذي ناقشه رجل مرة في الخمر -النبيذ- هل هو حرام أم لا؟ فقال القاضي: إنه حرام. فقال الرجل: أخبرني عن الماء هل هو حلال أم لا؟ قال: نعم. قال: فالكسور -هذه المادة التي يصنع منها النبيذ- قال: حلال. قال: فالتمر. قال: حلال. قال: فما باله إذا اجتمع وخلط صار حراما؟ انظر الشبهة! فقال له إياس رحمه الله: أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك. قال: لا. قال: فبهذه الحفنة من التبن أتوجعك؟ قال: لا. قال: لو رميتك بهذه الغرفة من الماء أتوجعك؟ قال: لا. قال: أرأيت لو خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى تحجر ثم رميتك به أيوجعك؟ قال: إي والله وتقتلني. قال: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت
وفى عصرنا هذا استقبل مسيحي رجلا مسلما في بيته .. فأحضر له العنب .. فأكله المسلم ..ثم أحضر له النبيذ (خمرا) فقال المسلم : هذا محرم علينا ، فقال المسيحي : عجباً لكم أيها المسلمون تحلّون هذا و تحرّمون هذا ..مع ان هذا من هذا !!..فقال المسلم : ألك زوجة ...؟
فقال المسيحي: نعم ..
فقال المسلم : ائتني بها .. فأحضرها
ثم قال له : ألك ابنة؟
ققال المسيحي : نعم
فقال المسلم : ائتني بها .. فأحضرها
فقال المسلم : أما ترى أن الله أحلّ لك هذه و حرّم عليك هذه .. مع أن هذه من هذه !!
فقال المسيحي : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله.
-
-
العنصر الثالث : ضحايا الخمور والمسكرات

أيها أحباب : الخمر أم الخبائث تجر شاربها إلى ارتكاب الجرائم وانتهاك المحرمات
روى البيهقي بإسناد صحيح عن عثمان بن عفان أنه قال: كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فأحبته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة، فجاء البيت ودخل معها فكانت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى وصل إلى امرأة وضيئة (أي حسناء جميلة) جالسة، عندها غلام وإناء خمر، فقالت له: إنها ما دعته لشهادة، وإنما دعته ليقع عليها أو يقتل الغلام أو يشرب الخمر، فلما رأى أنه لا بد له من أحد هذه الأمور تهاون بالخمر فشرِبه فسكر ثم زنى بالمرأة وقتل الغلام.
قال أمير المؤمنين عثمان: فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه.
وهذا هو دأب بني إسرائيل دائما .. " ، يعزّ عليهم أن يروا بينهم رجلاً متعبداً طاهراً يلسعهم بنظراته الناقدة ، " ويؤذي " فجورهم بعفافه ، وفسادهم بصلاحه !! فعملوا على أن يزلّ ، فيكونوا سواءً، ولكنْ كيف؟ كيف السبيل إلى الإيقاع به وجرّه إلى فتنة تقـْلب عاليه سافله ؟؟ إنها النساء ، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ، وهنّ كثير ، والغواية فنّ هنّ رباته ! ، فأعطِ القوسَ باريها ! .. وهكذا كان .
علقته امرأة تتقن فنّ الغواية ، فتقرّبت إليه مدّعية التقوى والهدى ، مظهرة العفة والطهر ، فلما صدّها أرسلت جاريتها تدعوه للشهادة ، فانطلق إليها غافلاً عمّا يُحاك ويُرسم ... فطفقت الجارية كلما أدخلتْه باباً أغلقـَتـْه دونهما .. لقد كان قصر المرأة فخماً على ما يبدو ، كبيراً حتى كثرت فيه الأبواب ! .. ودخل الصيد القفص وهو لا يدري أنه سعى إلى الفخ بقدميه ، ولو كان واعياً ما سعى إليها وحده .. وأي شهادة تكون وراء المغاليق ؟!! إن الشهادة تكون في أوضح الأماكن وأكثرها حركةً .. حتى وصل إلى تلك المرأة ، فوجدها في أجمل زينة وأبهى منظر .. فعلامَ كل هذا ، أهي عالقة به
مستهامة؟قد يكون إناء الخمر من مستلزمات الفجور ، فلِمَ يجد عندها غلاماً صغيراً ؟!.. إنها الدسيسة إذن؛ والاستدراج قالت له بتحد واضح – فقد وقع بين يديها - : بين يديك ثلاث خيارات ، أيها التقيّ الورع!! لا بد من ذلك ، وإلا طار رأسك ، أو فضحناك بين الناس وكشفنا المستور . نظر إليها يستفهم خياراتها.. قالت : إما أن تقع عليّ ( فيزني بها )، أو تشرب من هذه الخمرة كأساً ، أو تقتل هذا الغلام .. إنها خطة جهنمية ، لا مفر منها . ..
خيّرته بين أمور ثلاثة ، أحلاها مرّ ، فماذا يفعل ؟.أيزني المؤمن ؟ ! كلاّ ، كلاّ . أوَ يشرب الخمر ؟! لا، لا يشربها ، أيقتل النفس التي حرّمها الله ؟ ألف لا .. أيأبى أن يجيبها إلى ما خيّرَته ؟ إنّ قفل الأبواب ، الواحد تلْوَ الآخر ليدل على أن وراء هذه المرأة مَنْ خطّط ودبّر ،
ولم تكن هذه المومس الفاجرة سوى أداة التنفيذ ... ماذا يفعل ؟.
وهو إذ لم يكن عاقلاً حين صدّق الجارية ، فدخل بسذاجة إلى القصر خانه عقله كذلك إذ ْ رضي الخيار بين هذه الأمور الثلاثة ، وكان عليه أن يرفض ذلك بقوة ، فخسارة الدنيا أهون من خسارة الآخرة . ولو اتقى الله حق تقاه لأنجاه الله تعالى كما أنجى الرجل الصالح جُرَيجاً في محنته ... لكن شيطانه زيّن له شرب الخمر ، فهو – على ظنّه – فساد لا يتعدّاه ، أما الزنا فجريمة مشتركة ، يربأ بنفسه عنها !! وقتل الغلام منكر ، لا يفكر فيه فضلاً عن اقترافه .. فليشربْ كأساً من الخمر ... إنها طلبت إليه أن يشرب كأساً واحدة .. فقط .. فليشربها ، ولْيستغفر الله بعد ذلك .. على هذا عزم ، وهذا ما قرره .قال : فاسقيني من هذه الخمر كأساً .. فسقتـْه واحدة .. إن مسيرة ألف الميل تبدأ بخطوة واحدة ، لعبت الخمرة برأسه ، فقال : زيدوني فزادوه – حين لعبت الخمرة برأسه ما عاد يراها وحدها ، فخاطبها بصيغة الجمع – وما زال يطلب ، وما زالت تسقيه حتى ذهب عقله ، فزنى بها ، .. حين يضيع العقل تنتشي الشهوة ، وحين يضعف التفكير تتحرك النزوات .. والتفت ، فرأى الغلام ينظر إليه يرقبه ، وقد رآه يزني ، فمال عليه ، فقتله . شرِبَ الخمرَ ، وزنى ، وقتل النفسَ البريئة ، فهل بقي له من الطهارة شيء ؟!!
هل بقي له من الإيمان شيء؟!! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نتجنّب الخمر ، فإنها أم الكبائر ، ويقسم بالله : أن الإيمان لا يجتمع وإدمانَ الخمر في قلب إنسان ، فإذا كان الإيمانُ فلا خمر ... وإذا كان الخمرُ فلا إيمان ... إنها مفاصلة بين الحق والباطل
فكان هذا الرجل ضحية من ضحابا الخمور والمسكرات
ورحم الله القائل :
الخمر داعية إلى العصيان والخمر قائدة إلى النيران
والخمر شاربها يصد عن الهدى ويبدل الطاعات بالعصيان
والخمر شاربها حليف ضلالة ويبدل الإيمان بالكفران
شرب المخدر للإله عداوة ومحبة للمارد الشيطان
فبادروا التوبة يا أهل الورى وتقربوا للواحد الديان
وتباعدوا عن شرب مفتاح الردى ومغالف الخيرات في الإيمان
فهي المحرمة التي تحريمها في محكم الآيات والقرآن
وهذه ضحية وليست أي ضحية، إنها أمٌ تحكي مأساتها بالدموع، تقول أصبح ولدى مدمنًا للمخدرات، سهرٌ إلى الفجر، وتضييعٌ للصلاة، فنصحته فأبى ، وفي ليلة من الليالي جاء في وقت متأخر وطرق الباب بقوة ، ولكن لم يستطع الدخول لأنى لم أفتح له، ثم انقطع صوته فأشفقت عليه وأنستني رحمة الأمومة وحنانها ذلك كله، فما كان مني إلا أن فتحت الباب فإذا به مختبئ خلفه، ثم أخرج سكينًا معه ، وقام بدفعي بقوة، فظننت أنه يريد قتلي ، ويا ليته أراد ذلك، فالموت أحب لي مما ينوي، حاولت التهرب منه فإذا به يمزق ثيابي حتى أصبحت عريانة فعرفت أنه يراودني عن نفسي، قمت بكامل قوتي المتهالكة لدفعه ، ولكن لم أستطع أمام وحشية الإدمان والشباب العنفوان، ذكرته بالله، خوفته بعذاب الله، قلت: أمك حملتك،أرضعتك، سهرت لأجلك، أعطيتك، ربيتك خُذ كل شيء ، ولكن ما كان منه إلا أن غلبته نفسه وهواه والشيطان والإدمان ، فقام ففعل بي الزنى، فيا قلب تقطع، ويا نفس موتي، ولا يحدث بك ما رأيت، فحسبي الله ونعم الوكيل.
وهذه مأساة أخرى، رجل أدمن على المخدرات فلا يستطيع العيش بدونها وذات يوم انتهى الحشيش الذي يملكه وإذ برفيقه المروج والممون له ولغيره من الفسقة يطرق الباب، فأدخله وطلب منه حشيشًا ، فاستغل المروج تلك الفرصة فقال: ماذا تعطيني؟ وكم تدفع؟ فقال الرجل: أعطيك ما تريد المهم أن تعطيني حشيشًا، وفي هذه اللحظة تدخل بنت الرجل صاحب البيت وعمرها سبع سنوات لتقدم العصير لأبيها وللضيف المجرم، فقال المروج: أريد هذه البنت، ما الذي جرَّأه على ذلك؟! إنه الأب فاقد العقل، الديوث بسبب المخدرات، فقام الأب وأمسك بنيته المسكينة وخلع ثيابها وكتفها وهي تصيح يا أبي: إني بنتك، وقام الضيف ففعل الفاحشة بها،
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ )
يا صاحبي ماذا جرىأوَما ترى ما قد أرى
إني دهشت لمشهدٍمن عجبه يبكي الورى
إنها صورة مليئة بالأشجان، تروي المآسي تارة وأخرى تحكي دموع الإيمان، إنها تكشف صفحات الألم المحرق،
كان الله في عون من قاسى حرارتها، وتلظى بجحيم مرارتها، إن الواقع مؤلم، وما خفي كان أعظم.
فأصبحت حياتهم مشتتة، فطريق المخدرات أوله دلع، وأوسطه ولع، وآخره هلع، ضياع وانحراف، فساد وانجراف، فشل ورذيلة، عذاب وجريمة. هذا سلاح من الأعداء غايته
بعد هذه القصص إني لأستغرب من امرأة تعلم أن زوجها مدمن مخدرات وتعيش معه قريرة العين، تستر عليه وتؤويه. نعم الستر مطلوب ودرء المفسدة مرغوب، ولكن إلى متى الستر إنه ينقلب إلى تستر؛ لأن هذا الزوج وبال على المجتمع بأسره.
فيا اخوانى طريق المخدرات وبال عظيم
كم هتكت من أستار وإظهرت من أسرار ودلت على عورات وكم أهاجت من حرب, وأفقرت من غني, وأذلت من عزيز, ووضعت من شريف, وسلبت من نعمة, وجلبت ممن نقمة, وكم فرقت بين رجل وزوجه فذهبت بقلبه وراحت بلبه, وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة, وأوقعت في بلية, وعجلت من منية, وكم وكم, ولو لم يكن من فواحشها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف واحد لكفى, وآفاتها لا تحصى وفضائحها لا تستقصي.
-
-
العنصر الرابع :رسالة إلى شباب الأمة

يا شبابنا رسول الله يقول : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة:.. - وذكر منهم:- مدمن الخمر))
يا شبابنا رسول الله يقول : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : " عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ " ( أخرجه مسلم والنسائي )
يا شبابنا رسول الله يقول : من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب ، لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة " ( متفق عليه واللفظ للبيهقي )
يا شبابنا رسول الله يقول : لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ... وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها) . رواه أبو داود )
يا شبابنا رسول الله يقول : لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ " ( ابن ماجة )
ألا يخشى شارب الخمر ، أن يمسي إنساناً ثم يصبح حيواناً ، أليس الله بقادر على كل شيء ؟ أليس الله بقادر على تعذيب من عصاه ؟ بلى إنه على كل شيء قدير ، ولكنه يمهل ولا يهمل .
فيا من تشرب الخمر إنك تعصي من خلقك ، إنك تضاد من أوجدك ، أتقدر على مواجهة جبار السموات والأرض .
ألا تتقي الله ، ألا تخاف من الله ، ألا تستحيي من الله ، وهو معك يسمعك ، ويراك حيث نهاك
فيا أخي ماذا تريد من الخمور؟ وماذا ستجنيه منها غير الشرور؟ أتريد أن تكون مجرمًا سفاكًا للدماء؟ أو صعلوكًا منتهكًا للأعراض؟ أو أرضًا خصبة للأمراض؟ أو معرضًا كرامتك ومروءتك للإجهاض؟ أيعجبك حال الذين زنوا بأمهاتهم وبناتهم! أم يرضيك ما فعله ذاك الرجل المدمن حيث أخذ السكين وأضجع زوجته وذبحها أمام أطفالها ذبح الخراف ، أم تحب أن تكون نهايتك سيئة، فوالله إنك ميت وإنهم ميتون، وبين يديك ويديهم يتدلى حبل المنون.
تَفُتُّ فُؤادَكَ الأَيّامُ فَتّا وَتَنحِتُ جِسمَكَ الساعاتُ نَحتا
وَتَدعوكَ المَنونُ دُعاءَ صِدقٍ أَلا يا صاحِ أَنتَ أُريدُ أَنتا
وليس الموت هو النهاية، وليس الانتحار هو الخلاص، إنما هناك حساب وعقاب.
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياءِ
ولو أنا إذا متنا تُركنا, لكانَ المَوْتُ راحَة َ كُلِّ حَيِّ.
ولكنا إذا متنا بُعثنا, ونُسأل بعد ذا عن كل شي
يا شبابنا ، يا من أسرفتم على أنفسكم، لا زالت الفرصة بين أيديكم ، والباب مفتوحًا، فلا تقنطوا من رحمة الله، وليكن قدوتكم سلفكم الصالح الذي ضربوا أروع الأمثلة في ثبات النفس ورباطة الجأش أمام الشيطان والشهوات.
رحم الله عبد الله بن حذافة السهمي لما أمسك به قيصر الروم وساومه على أن يتنصر أو يموت، فقال: أموت ولا أتنصر، أدخلوه السجن وضيقوا عليه ومنعوا عنه الطعام ثلاثة أيام حتى برزت أضلاعه، ثم قدموا له الخمر لكي يشربها ليشتموا به وبالإسلام فأبى أن يشربها رغم اضطراره إليها، والضرورة لها أحكامها، طلب الموت في عز، ورفض الحياة في ذل الخمر، باع الحياة رخيصة طلبًا للجنة الغالية، فيا له من علو، ويا له من سمو، فانظروا واعتبروا.
وهذا عروة بن الزبير أصابته الآكلة في قدمه فأشاروا عليه أن يقطعها فقال: اصبر واحتسب، فاستفحل الداء فقالوا: تقطع الساق، فقال: اصبر، فبلغ به الألم منتهاه وانتقلت الآكلة إلى ما تبقى من رجله فقالوا: تقطع من الفخذ وإلا سيموت، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: نسقيك خمرًا حتى تغيب عن وعيك، ويخف عليك الألم، فزأر في وجوههم كالأسد: كلا والله لا أشربها وقد حرمها الله، ولكن إذا صليت واتصلت بربي وخلفت الدنيا ورائي فافعلوا ما تشاؤون، وفعلاً اتصل بربه وناجى خالقه وتعلق بجنته والقوم قد أبرزوا مناشيرهم وسكاكينهم، فلما سجد قطعوا رجله فغاب عن وعيه. فرحمك الله يا عروة، يا من تمسكت بأوثق عروة، وجعل الله صنيعك في ميزان حسناتك، وسقاك من خمر الجنة، فتأملوا يا شباب، ولتكن قصة عروة لكم خير عتاب.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يحفظ شبابنا وأمتنا وأبناءنا وبناتنا من كل سوء ومكروه، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا وأن يهدينا سواء السبيل وأن يتوب علينا ويهدي عاصينا إنه هو التواب الرحيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم.
 
جميع الحقوق محفوظة © 2015 الداعية الأزهري . محمد طلعت القطاوى

تعريب مداد الجليد